محمد بن جرير الطبري
114
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ابن وهب ، قال : قال ابن زيد الغساق الصديد الذي يجمع من جلودهم مما تصهرهم النار في حياض يجتمع فيها فيسقونه . حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السهمي ، قال : ثني أبي ، قال : ثنا ابن لهيعة ، قال : ثني أبو قبيل أنه سمع أبا هبيرة الزيادي يقول : سمعت عبد الله بن عمرو يقول : أي شيء الغساق ؟ قالوا : الله أعلم ، فقال عبد الله بن عمرو : هو القيح الغليظ ، لو أن قطرة منه تهراق في المغرب لأنتنت أهل المشرق ، ولو تهراق في المشرق لأنتنت أهل المغرب . قال يحيى بن عثمان ، قال أبي : ثنا ابن لهيعة مرة أخرى ، فقال : ثنا أبو قبيل ، عن عبد الله بن هبيرة ، ولم يذكر لنا أبا هبيرة . حدثنا ابن عوف ، قال : ثنا أبو المغيرة ، قال : ثنا صفوان ، قال : ثنا أبو يحيى عطية الكلاعي ، أن كعبا كان يقول : هل تدرون ما غساق ؟ قالوا : لا والله ، قال : عين في جهنم يسيل إليها حمة كل ذات حمة من حية أو عقرب أو غيرها ، فيستنقع فيؤتي بالآدمي ، فيغمس فيها غمسه واحدة ، فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام . حتى يتعلق جلده في كعبيه وعقبيه ، وينجر لحمه كجر الرجل ثوبه . وقال آخرون : هو البارد الذي لا يستطاع من برده . ذكر من قال ذلك : حدثت عن يحيى بن أبي زائدة ، عن ابن جريج ، عن مجاهد وَغَسَّاقٌ قال : بارد لا يستطاع ، أو قال : برد لا يستطاع . حدثني علي بن عبد الأعلى ، قال : ثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ قال : يقال : الغساق : أبرد البرد ، ويقول آخرون : لا ؛ بل هو أنتن النتن . وقال آخرون : بل هو المنتن . ذكر من قال ذلك : حدثت عن المسيب ، عن إبراهيم النكري ، عن صالح بن حيان ، عن أبيه حيان ، عن عبد الله بن بريدة ، قال : الغساق : المنتن ، وهو بالطخارية . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : ثني عمرو بن الحرث ، عن دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لو أن دلوا من غساق يهراق في الدنيا لآنتن أهل الدنيا " وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال : هو ما يسيل من صديدهم ، لأن ذلك هو الأغلب من معنى الغسوق ، وإن كان للآخر وجه صحيح . وقوله : وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والكوفة وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ على التوحيد ، بمعنى : هذا حميم وغساق فليذوقوه ، وعذاب آخر من نحو الحميم ألوان وأنواع ، كما يقال : لك عذاب من فلان : ضروب وأنواع ؛ وقد يحتمل أن يكون مرادا بالأزواج الخبر عن الحميم والغساق ، وآخر من شكله ، وذلك ثلاثة ، فقيل أزواج ، يراد أن ينعت بالأزواج تلك الأشياء الثلاثة . وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض البصريين : " وأخر " على الجماع ، وكأن من قرأ ذلك كذلك كان عنده لا يصلح أن يكون الأزواج وهي جمع نعتا لواحد ، فلذلك جمع أخر ، لتكون الأزواج نعتا لها ؛ والعرب لا تمنع أن ينعت الاسم إذا كان فعلا بالكثير والقليل والاثنين كما بينا ، فتقول : عذاب فلان أنواع ، ونوعان مختلفان . وأعجب القراءتين إلى أن أقرأ بها : وَآخَرُ على التوحيد ، وإن كانت الأخرى صحيحة لاستفاضة القراءة بها في قراء الأمصار ؛ وإنما اخترنا التوحيد لأنه أصح مخرجا في العربية ، وأنه في التفسير بمعنى التوحيد . وقيل إنه الزمهرير . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن السدي ، عن مرة ، عن عبد الله وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ قال الزمهرير . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا يحيى ، قال : ثنا سفيان ، عن السدي ، عن مرة ، عن عبد الله ، بمثله . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا معاوية ، عن سفيان ، عن السدي ، عمن أخبره عن عبد الله بمثله ، إلا أنه قال : عذاب